
موريتانيا في مواجهة التغيرات المناخية: من الالتزامات الدولية إلى المبادرات المحلية
المدرسة الخضراء بثانوية السبخة 2 في نواكشوط نموذجًا
خديجة الهريم
في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي يشهدها العالم، تتكثف الجهود الدولية للحد من آثارها المتزايدة على البيئة والاقتصاد والمجتمع. وليست موريتانيا بمنأى عن هذه التحديات، فهي تقع في منطقة الساحل الإفريقي شديدة الهشاشة المناخية، وتعتمد قطاعات واسعة من سكانها على الموارد الطبيعية والأنشطة الزراعية والرعوية.
وتواجه البلاد مخاطر متعددة، أبرزها التصحر والجفاف وتدهور المراعي وتراجع الأراضي الصالحة للزراعة وشح المياه، فضلًا عن انعكاسات هذه الظواهر على الأمن الغذائي والقدرة الشرائية للأسر. كما تواجه العاصمة نواكشوط تحديات بيئية مرتبطة بارتفاع مستوى سطح البحر وتآكل الشريط الساحلي، إلى جانب مخاطر الغمر بمياه الأمطار في بعض المناطق الحضرية. وتزيد الهجرة المرتبطة بالعوامل المناخية والنمو السكاني من الضغط على الموارد الطبيعية والخدمات الأساسية.
وعلى الرغم من محدودية مساهمة موريتانيا في الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة، فإنها تُعد من البلدان الأكثر تعرضًا لتداعيات التغير المناخي. لذلك، تعمل على تعزيز قدرتها على التكيف، والحد من الانبعاثات، وتطوير الطاقات المتجددة، ومكافحة التصحر، واستعادة الأراضي المتدهورة، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية.
وتندرج هذه الجهود ضمن التزامات موريتانيا في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، المعتمدة عام 1992، ومشاركتها في مؤتمرات الأطراف (COP)، التي تتيح للدول مناقشة قضايا التمويل المناخي والتكيف ونقل التكنولوجيا. كما تسعى البلاد إلى تنفيذ مساهماتها المحددة وطنيًا، والاستفادة من الشراكات الدولية لدعم مشاريع الاقتصاد الأخضر.

وفي موازاة هذه الالتزامات الدولية، تبرز أهمية المبادرات المحلية في نشر الوعي البيئي وترسيخ الممارسات المستدامة، ولا سيما في المؤسسات التعليمية. وفي هذا السياق، تندرج مؤتمرات الشباب بشأن المناخ على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، المعروفة اختصارًا بـ LCOY وRCOY وCOY، إلى جانب مؤتمر الأطراف COP، ضمن مسارات المشاركة في الجهود المناخية.
ومن هنا، تبرز المدرسة الخضراء بثانوية السبخة 2 في نواكشوط نموذجًا لمبادرة محلية تربط الوعي البيئي بالممارسة، وتجسد أهمية الانتقال من الالتزامات الدولية إلى العمل الميداني في مواجهة التغيرات المناخية.
المدارس الخضراء … مبادرات محلية لمواجهة آثار التغير المناخي
وضمن هذا المسعى، نستعرض تجربة المدارس الخضراء بوصفها إحدى المبادرات المحلية لمواجهة آثار التغيرات المناخية.
ففي إطار الاهتمام بالمبادرات الشبابية الرائدة في مجال العمل المناخي ودعم ريادة الأعمال البيئية وتمويل المشاريع المبتكرة، أطلقت وزارة البيئة والتنمية المستدامة مشروع المدارس الخضراء بهدف الحد من آثار ارتفاع درجات الحرارة داخل المؤسسات التعليمية العمومية وتعزيز الوعي البيئي لدى التلاميذ وتشجيعهم على المشاركة في حماية البيئة.

غير أن المشروع لم يحقق النتائج المرجوة بالقدر نفسه في بعض المؤسسات التي أُطلق فيها، قبل أن تبرز تجارب محلية سعت إلى تفعيل أهدافه من خلال إشراك الفاعلين المدنيين والشباب وتوفير الدعم اللازم لتحويل الأفكار إلى مبادرات عملية.
وفي هذا السياق، دخلت جمعية التنوع البيئي والثقافي على خط تنفيذ المبادرات المناخية بالتعاون مع جهة نواكشوط وعدد من شركائها، بعد حصولها على تمويل لدعم مشاريع شبابية ذات أثر بيئي إيجابي، من بينها مشروع نادي المدرسة الخضراء بثانوية السبخة 2 الذي أصبح تجربة واعدة في مجال التكيف مع التغيرات المناخية داخل المؤسسات التعليمية.
وقد واكبت الجمعية مراحل التخطيط للمشروع وتنفيذه، وأسهمت في تأطير النادي ومساعدته على تحويل فكرته إلى مبادرة عملية تستجيب لبعض التحديات البيئية التي تواجه المدرسة.

ميمونة السالك رئيسة جمعية التنوع البيئي والثقافي
وانطلق المشروع من فكرة التشجير وإنشاء مساحات خضراء داخل المؤسسة التعليمية، بعد حصوله على تمويل من جهة نواكشوط، في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز قدرة المؤسسات التعليمية على التكيف مع التغيرات المناخية من خلال إدماج حلول بيئية عملية ومستدامة.
وشملت الأنشطة غرس الأشجار وإنشاء مساحات خضراء داخل المدرسة، إلى جانب زراعة الخضروات لتوفير جزء من الاحتياجات الغذائية محليًا وتعزيز ثقافة الإنتاج الزراعي لدى التلاميذ. ومن شأن هذه التدخلات أن تسهم في تحسين البيئة المدرسية وتوفير الظل والحد من آثار ارتفاع درجات الحرارة، ولا سيما في المؤسسات العمومية التي تفتقر إلى وسائل التبريد والتكييف المناسبة.
كما يمثل المشروع فرصة لترسيخ السلوك البيئي الإيجابي لدى التلاميذ وتعريفهم بأهمية التشجير والمحافظة على الموارد الطبيعية وإشراكهم في إيجاد حلول عملية للمشكلات المناخية التي تمس حياتهم اليومية.
وفي حديثه عن المشروع، أوضح المسؤول عن متابعة مراحله يعقوب ولد أبي، رئيس مصلحة البيئة بجهة نواكشوط، أن التمويل يأتي في إطار الشراكة بين جهة نواكشوط وصندوق الشباب للمناخ التابع لمؤسسة بلومبرغ الخيرية (Bloomberg Philanthropies)، وبالتعاون مع منظمة المدن والحكومات المحلية، دعمًا للمبادرات الحضرية ذات الطابع المناخي.
وتسعى جهة انواكشوط، من خلال هذا البرنامج، إلى دعم المواهب الشبابية الرائدة في مجال العمل المناخي وتعزيز ريادة الأعمال البيئية وتمويل المبادرات المبتكرة التي تستهدف مكافحة آثار التغيرات المناخية والتخفيف من حدتها.
وقد استهدف البرنامج الشباب والمنظمات والجمعيات الشبابية والمؤسسات التعليمية، مع تخصيص التمويلات للفئة العمرية التي تتراوح بين 15 و24 عامًا، بما يتيح للشباب فرصة المشاركة الفعلية في صياغة الحلول البيئية وتنفيذها داخل مجتمعاتهم.
وتتراوح قيمة التمويلات المخصصة للمشاريع بين 40 ألفًا و190 ألف أوقية جديدة للمشروع الواحد. ففي المرحلة الأولى، التي انطلقت قبل نحو عام، جرى تمويل 12 مشروعًا، فيما شملت المرحلة الثانية، التي انطلقت لاحقًا، تمويل 19 مشروعًا بمعدل أربعة شباب لكل مشروع.

يعقوب ولد أبي، رئيس مصلحة البيئة بجهة نواكشوط
وهذا العام، تم إطلاق النسخة الثالثة، ومن خلالها سيتم تمويل 12 مشروعًا في السياق نفسه، وذلك سعياً منا إلى جعل الشباب في المقدمة، وإشراكه في الحلول المناخية، وإعطائه الدور الريادي في هذا البرنامج الذي يهتم أساسًا بالشباب ودعمه.
كما تمت هذا العام إضافة فكرة جديدة للمشروع، وهي اختيار «سفراء المناخ» الذين يمثلون الجهة ويشرحون للمستفيدين الجدد الفكرة الأساسية من هذا التمويل، كما حرصنا على جعلهم في الواجهة الأمامية من أجل أن يشجعوا الشباب على الإبداع والابتكار في الحلول المناخية المستدامة.
وتخضع عملية اختيار المشاريع ومتابعتها لإشراف لجنة تضم منتخبين وفنيين وخبراء من خارج جهة نواكشوط، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير الأهلية المحددة في طلبات العروض والتحقق من استيفاء المرشحين لشروط البرنامج، بما يضمن شفافية الاختيار وتوجيه التمويلات إلى المبادرات المستحقة في مختلف ولايات نواكشوط.

ثانوية السبخة 2.. تجربة مدرسية جديرة بالتعميم
وقد أشاد نادي المدرسة الخضراء بثانوية السبخة 2، يعقوب أمبارك الذي نفذ المشروع بتأطير من جمعية التنوع البيئي والثقافي، بالجهود التي بذلتها جهة نواكشوط لإنجاح هذه المبادرة التي حظيت بالتمويل خلال المرحلة الأولى من المشاريع المناخية التي أطلقتها الجهة.
وأسهم هذا الدعم في تحويل المدرسة إلى نموذج واعد في مجال إيجاد حلول بيئية عملية ومبتكرة تجمع بين التعليم والتوعية البيئية والعمل الميداني، في وقت تتزايد فيه موجات الحر التي تشكل تهديدًا لصحة التلاميذ وسلامتهم، ولا سيما في المؤسسات التعليمية التي تفتقر إلى التجهيزات الملائمة للتعامل مع درجات الحرارة المرتفعة.
مضيفا أن هذه التجربة تؤكد ،أن التشجير وإنشاء المساحات الخضراء داخل المدارس ليسا مجرد نشاط تجميلي، بل يمثلان جزءًا من الحلول المحلية الممكنة للتكيف مع التغيرات المناخية، شريطة اختيار النباتات المناسبة للبيئة المحلية وضمان توفير المياه اللازمة للري ووضع خطة مستدامة لصيانة الأشجار والمساحات المزروعة.
رئيس نادي المدرسة الخضراء في ثانوية السبخة 2، يعقوب ولد امبارك، دعى كل الشباب الموريتاني إلى الاقتداء بهم والقيام بمبادرات شبابية مماثلة، ومن جهتها، أكدت رئيسة جمعية التنوع البيئي والثقافي، ميمونة منت السالك ، المشرفة على تنفيذ المشروع، أكدت على أهمية تبني الجهات المعنية مثل هذه المبادرات الرائدة وتوسيع نطاقها حتى تحذو المؤسسات التعليمية العمومية الأخرى حذو ثانوية السبخة 2.

يعقوب امبارك، رئيس النادي
وأوضحت أن تعميم هذه التجارب من شأنه أن يسهم في تحسين البيئة المدرسية وتعزيز الوعي المناخي لدى الأجيال الصاعدة وتقديم، حلول عملية لبعض المشكلات البيئية التي تعاني منها المدارس، خاصة في ظل الارتفاع المتزايد لدرجات الحرارة وتفاقم آثار التغيرات المناخية.
وبين الجهود الدولية والمبادرات المحلية، تظل مشاركة موريتانيا في العمل المناخي ودعم الطاقات المتجددة ومكافحة التصحر وتطوير أنظمة الإنذار المبكر وتمكين الشباب من قيادة المشاريع البيئية عناصر أساسية في بناء مستقبل أكثر استدامة والحد من آثار التغير المناخي على الإنسان والمجتمع.
________
أُنتج هذا المشروع في إطار النسخة الثانية من دبلوم صحافة المناخ، الذي تنظمه مدرسة المناخ بدعم من مجتمع التحقق العربي.
