Global South Mindsأخبار وتغطياتدليل الباحثين

من كيهيدي إلى واشنطن.. مسيرة عالم رياضيات موريتاني

نشأ البروفسير توكا جاغانا في مدينة كيهيدي، وفيها أبصر الحياة وذاق سحر الجبر والهندسة، وبعد نجاحه متفوقا في باكالوريا الرياضيات قَصد تونس ممنوحا، وبعد حصوله هناك على شهادة الدراسات المعمقة في الرياضيات شد الرحال إلى جامعة كلود برنارد-ليون1  ومنها حصل على الدكتوراه 1999.

في مطلع الألفية الثالثة عبَر ابن كيهيدي المحيط الأطلسي إلى واشنطن العاصمة، وتحديدا جامعة هوورد، فتدرج في الرتب العلمية والأكاديمية، من محاضر إلى أستاذ كرسي في نفس الجامعة 2007، وانتقل منها إلى جامعة ألاباما هندسفيل 2018 ويشغل منذ ذلك الحين منصب رئيس قسم العلوم الرياضية فيها.

يترأس تحرير بعض المجالات العلمية المتخصصة في مجاله و يشارك في تحرير مجلات أخرى، له عدد من البحوث والمقالات العلمية، ونَشَر كتبا منها:

Semilinear Evolution Equations and Their Applications. Springer, New York, 2018.

Non-Archimedean Operator Theory. Springer, New York, 2016. (with F. Ramaroson)

Almost Automorphic Type and Almost Periodic Type Functions in Abstract Spaces.

Springer, New York, 2013.

Almost Periodic Stochastic Processes. Springer, New York, 2011. (with P. Bezandry)

وهو عضو في عدد من الهيئات الأكاديمية في الولايات المتحدة، وناشط في عدد من الهيئات التي تعنى بالعقول الأفريقية المهاجرة، يزور موريتانيا كلما سنحت له الفرصة، مقدما محاضرات لطلبة الدراسات العليا في قسم الرياضيات بجامعة نواكشوط معتبرا أنه يريد رد بعض الجميل لوطنه. نال جوائز في الخارج، و على المستوى الوطني نال جائزة شنقيط، أرفع الجوائز التي تمنحها الدولة الموريتانية. يشرف رفقة رياضيين آخرين على جائزة يحي ولد حامدٌ التي تنظم سنويا، و أشرف على لجنتها العلمية في نسختها العاشرة هذا العالم.

من اليسار الأساتذة: محمد أحمدو، توكا جاغانا، الخميني مولاي اعلي، كمال ابوه، فاطمة أغربط

شرفنا البروفسير توكا جاغانا بهذه المقابلة:

هلا تحدثتم لنا ابتداءً عن كيهيدي، حيث نشأتم؟

أود في البداية أن أشكركم على إتاحة هذه الفرصة، وعودة لسؤالكم، أقول بكل بساطة إن مدينة كيهيدي تعني كل شيء بالنسبة لي، باعتبارها المدينة التي بدأ منها كل شيء مما يخصني. فيها ولدت و أنهيت دراستي الابتدائية و الثانوية، وعرفت أفضل أساتذتي الذين أرشدوني إلى جمال الرياضيات، و بهذه المناسبة فإنني حزين جدا لنقص المعدات في بعض المؤسسات التي تعلمت فيها، خصوصا ثانوية كيهيدي. ففي زيارة لها قبل ثلاثة أعوام صُدمت من وجود أكثر من مائة وستين تلميذا في فصول الأقسام النهائية لباكالوريا الآداب والعلوم الطبيعية، وأكثر من 65 للباكالوريا الرياضية، كيف يمكن أن نصنع التميز من خلال أعداد كهذه في الفصل؟ لا أدري. بالتأكيد لا بد من مراجعة هذه الحالة، وتوفير اللوازم لهذه المؤسسات بما في ذلك الرفع من مستوى أجور المدَرسين.

هلا عرفتم الرياضيات لغير الرياضيين؟

هذا سؤال صعب، سأقول بكل بساطة إن الرياضيات هي فن معرفة أن تحصي، معرفة كيف رُتبت و أُحكمت الأرقام والأشياء المشَكلة للكون المحيط بنا، وأخيرا أن تعرف كيف تتخيل أشياء غير قابلة للقياس الكمي.

متى بدأتم الاهتمام بالرياضيات؟

بدأ حبي للرياضيات في الفصل السادس ابتدائي حينما تعرفت على معلمي نديم أبيض، فقد علمنا حل أصعب المسائل الرياضية في الفصل السادس ابتدائي. لقد كان رجلا صارمايرهبه جميع التلاميذ، لكنه في الوقت نفسه لم يكن مدفوعا إلا بطموحه لضمان نجاح واجتياز جميع التلاميذ في الفصل، إذن فمن خلاله كانت بدايتي مع الرياضيات، وقد تعلمت، بشكلحدسي، استخدام طريقة التعويض دون أن أتعلمها في المدرسة، واستطعت حل بعض المسائل الواردة في الكتاب الشهير:

“Calcul, Cours moyen des écoles d’Afrique” de J. Auriol et M. Séguier

ما الذي جذبكم للرياضيات، و هل تتحفونا بأولى الذكريات معها؟

بشكل أساسي كان ذلك اللقاء بمدَرسي نديم أبيض، فقبله أتذكر أننا تعلمنا جداول الضرب دون أي نوع من الفهم، لكن مع نديم تعلمنا أن نفهم الآليات التي تتيح لنا الوصول إلى نتائج رياضية.

هلا حدثتمونا عن مسيرتكم مع الرياضيات؟

عندما حصلت على باكالوريا الرياضيات 1988 وُجّهت للأقسام التحضيرية في نابل لدخول المدرسة الوطنية للمهندسين بتونس، لكن خلال إقامتي بالعاصمة تونس تقدمت خطوات لتغيير تسجيلي رغبة في دراسة الرياضيات و الفيزياء لأنني لم أشأ أن أكون مهندسا بل أردت أن أصبح عالم رياضيات، أو لنقل أردت تدريس الرياضيات في الجامعة، و بالفعل سمح لي بالتسجيل في كلية العلوم بتونس، وبعد عامين من دراسة الرياضيات و الفيزياء قررت الحصول على الأستاذية في الرياضيات البحتة، ثم اتجهت إلى فرنسا للحصول على شهادة الدراسات المعمقة و الدكتوراه في الرياضيات من جامع كلود برنارد ليون1.

من الذي أثر في اخيارك للرياضيات كتخصص؟

بعد الباكالوريا أردت أن أصبح عالم رياضيات، دون معرفة السبيل الموصل لذلك، وبمجرد التحاقي بكلية العلوم بتونس بدأت الأمور تتضح قليلا، وقبل الحصول على درجة الأستاذية نصحني أستاذي لمادة التحليل الرياضي الدكتور عبد النبي عاشور بالسعي للتسجيل في فرنسا لإعداد أطروحة دكتوراه، فتبعت نصيحته، و كنت أمام خيارين للتسجيل في فرنسا، اخترت من بينهما جامعة ليون1.

هل لديكم عالم رياضيات مفضل؟ وإذا كان الجواب نعم؛ فما الذي يعجبكم فيه؟

بالتأكيد، يأتي في المقدمة عالم الرياضيات الألماني ديفيد هيلبرت، فأنا مفتون ليس فقط بأعماله و لكن أيضا بإنسانيته.

هل يمكنكم التعليق على الفروق بين تدريس الرياضيات في موريتانيا والولايات المتحدة؟

سأجيب على السؤال من خلال بعض المقارنات بين الأنظمة التعليمية في البلدين، على التفاوت الشاسع بينهما، فالنظام التعليمي الأمريكيذو تقاليد علمية تليدة، وتضخ فيه مليارات الدولارات كل عام، بينما نحن في موريتانيا نبخل بالوسائل اللازمة لبناء نظامنا التعليمي الذي يجب القول إنه على حافية الهاوية.

الفرق الثاني هو اللغة، فالأمريكيون يدَرسون باللغة الانجليزية في جميع الفصول بينما نواصل، نحن في موريتانيا، مناقشات لا نهاية لها حول اللغات التي يجب التدريس بها، الفرق الثالث يتعلق بالتعليم الخاص فهو متطور جدا في الولايات المتحدة الأمريكية، ويدار بشكل جيد للغاية و يؤدي التزاماته متفوقا أحيانا على المؤسسات العمومية، ومجموع كلالفروقيجعل تعليم الرياضيات بين البلدين مختلفا جدا.

هذا سؤال صعب، سأقول بكل بساطة إن الرياضيات هي فن معرفة أن تحصي، معرفة كيف رُتبت و أُحكمت الأرقام والأشياء المشَكلة للكون المحيط بنا، وأخيرا أن تعرف كيف تتخيل أشياء غير قابلة للقياس الكمي.

من كيهيدي إلى واشنطن، أو من ثانوية كيهيدي إلى جامعة ألاباما في هندسفيل، هل من اختصار لهذا المسار؟

كما أشرت من قبلُ فإنني، بعد البكالوريا، غادرت كيهيدي إلى الجمهورية التونسية للحصول على الأستاذية في الرياضيات البحتة من كلية العلوم بتونس، ثم اتجهت بعد ذلك إلى ليون للحصول على شهادة الدراسات المعمقة وأطروحة دكتوراه في الرياضيات، وهناك في جامعة ليون 1 درّستُ، بشكل مؤقت، بصفتيمتعاقدا، وبعد عام من مناقشة أطروحتي حصلت على منصب أستاذ مساعد في جامعة هوورد في واشنطن العاصمة. وقد التحقت بها في سبتمبر 2000، وفي يوليو 2007 تمت ترقيتي إلى رتبة أستاذ كرسي بعقد دائم، وفي يونيو 2018 استقلت من منصبي في جامعة هوورد لأنني كنت قد قبِلت منصب رئيس قسم الرياضيات في جامعة ألاباما أسابيع قبل ذلك.

 من خلال تجربتكم كرئيس لقسم الرياضيات في جامعة أمريكية، ما نصائحكم لتطوير البحث العلمي في بلادنا؟

أعتقد مخلصا أن الأولوية الأولى في هذا الجانب هي مواجهة الإخفاقات العديدة للنظام التعليمي الموريتاني، ففي الواقع لا يمكننا الحديث عن تطوير أو حتى تنمية البحث العلمي في بلادنا، إذا كنا بالكاد نملك مدرسة بالحد الأدنى، لأجل ذلك فمن المُـلِح إجراء مراجعة شاملة لنظامنا التعليمي، وانطلاقا منها، و بدون أي تساهل، نحتفظ بما هو صالح فقط. وإلا فإننا، للأسف، سنستمر في تكوين أجيال من الموريتانيين لن يكونوا قادرين على المساهمة، بشكل فعال، في تنمية البلاد.

يجب وضع سياسات قادرة على الرفع مستوى التلاميذ/الطلاب، وبعد ذلك ستتحسن الأمور بشكل مطرد إذا وضعنا نصب أعيننا تطوير البحث العلمي و الاستثمار فيه،  وكما هو معلوم فإن البحث العلمي مكلف للغاية، ولذلك يمكننا إنشاء أقطاب بحثية مشتركة عبر توحيد الجهود مع بلدان أخرى في المنطقة، لماذا لا نُنشئ مراكز بحث إقليمية لمكافحة الملاريا أو ارتفاع منسوب مياه المحيطات أو ظاهرة العواصف الرملية أوالاندماج المنسجم بين السكان؟

في الأخير، ما النصائح التي تقدمونها لطلاب الرياضيات؟

 عليهم أن يبذلوا أقصى الجهد في دراستهم للرياضيات لما يفتحه هذا التخصص من آفاق جمة، و أنصح الطلاب الموريتانيين بالتفكير في القدوم للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية مثل الطلاب من بقية بلدان أفريقيا، و هذا يشكل قيمة مضافة لموريتانيا لا تقدر بثمن.

ختاما، هلا تحدثم لنا عن الأشياء التي تشغلون بها وقت فراغكم بعيدا عن الرياضيات ..

أقضي الكثير من الوقت في بناء مستقبل أبنائي، و أنا ملتزم جدا بمساعدة الموريتانيين في الخارج خصوصا في بعض القضايا كازدواجية الجنسية و الحق في التصويت، و أنا كذلك عضو في اللجنة العلمية لجائزة يحيى ولد حامد، أنا أيضا مهتم بمشكل الجمع بين المكونات الموريتانية، قد أبدو ساذجا لكنني أعتقد أن أقدارنا مرتبطة و أنه يجب علينا العمل من أجل تماسك وطني أفضل.

شكرا لكم أستاذنا البروفسير توكا جاغانا.

نشرت هذه المقابلة على صفحات مجلة “الثقافة الموريتانية 2021.

المصطفى زين

محرر صحفي في قضايا العلوم والبيئة
زر الذهاب إلى الأعلى