آراءأخبار وتغطيات

بين دقة التنبؤ وضرورة الفهم: علم الأحياء البحرية في عصر الذكاء الاصطناعي / أ.د. محفوظ سيدي

في مطلع العقد الأول من الألفية الثانية وبينما كنت أعالج بيانات أطروحتي للدكتوراه في علم الأحياء البحرية، كانت النمذجة الإحصائية أشبه بعمل حرفي يتطلب كثيرا من الصبر والدقة. فقد كان علي، لدراسة التوزيع المكاني والزماني لبيض ويرقات السردينيلة المستديرة (Sardinella aurita) على امتداد سواحلنا، أن أكتب بعناية نحو عشرين تعليمة برمجية.

وقد مكنني هذا الجهد من تأكيد حقيقة بيئية أساسية: فالسردينيلة لا تتكاثر في أي مكان أو زمان، بل يتزامن وضع بيضها بدقة مع ظاهرة صعود المياه الساحلية، أو ما يعرف بالرفع الساحلي، خلال الفترة الممتدة من مايو إلى يوليو، حين تدفع الرياح المياه الغنية بالمغذيات نحو الساحل.

ويمثل هذا التزامن شرطا حيويا للبقاء، لأنه يحمي البيض واليرقات، وهي أطوار شديدة الهشاشة، من الظروف القاسية في عرض البحر، حيث تكثر المفترسات، وتشتد الاضطرابات المائية، ويقل الغذاء الملائم.

لذلك، لم تكن كل تعليمة برمجية أكتبها مجرد قيد تقني، بل كانت تلزمني بفهم آليات البيولوجية. وكان بطء كتابة الشفرة يدفعني إلى التفكير في الدلالة البيئية لكل متغير، سواء تعلق الأمر بدرجة حرارة المياه، أو سرعة الرياح واتجاهها، أو الملوحة، أو التيارات البحرية.

وبعد ذلك بفترة ، حدث تحول كبير مع انتشار حزم برنامج R، ولا سيما النماذج المضافة المعممة GAM. وفجأة، أصبح بالإمكان إنجاز ما كان يتطلب أياما من البرمجة خلال دقائق قليلة.

أتاحت هذه النماذج رسم منحنيات استجابة مرنة، قادرة على تمثيل حدود التحمل البيولوجي للأنواع، من دون فرض علاقات خطية أو أشكال هندسية جامدة عليها منذ البداية. أصبح العمل أسهل بكثير، لكن الأهم هو أننا احتفظنا بقدرتنا على فحص النتائج والتحكم في تفسيرها.

فمن خلال التحليل الدقيق للبواقي والتشخيصات البيانية، كان بإمكاننا أن «نفتح غطاء محرك» النموذج، وأن نختبر منطقه، ونتأكد من أن المعادلات الرياضية لا تقود إلى استنتاجات تتعارض مع الواقع البيئي. وكنا نرى بوضوح كيف تؤثر درجة حرارة المياه أو الرياح في بقاء اليرقات. كانت العلاقات ظاهرة، قابلة للاختبار، ومفهومة.

أما اليوم، فإن ظهور الذكاء الاصطناعي يمثل مرحلة جديدة، لكنه يحدث أيضا قطيعة مقلقة. فالذكاء الاصطناعي قادر على معالجة كميات هائلة من البيانات المحيطية والبيولوجية، وإنتاج تنبؤات شديدة الدقة خلال لحظات.

غير أن الأداة تحولت هذه المرة إلى ما يشبه «الصندوق الأسود». فقد اختفت آلياتها الداخلية خلف ملايين المعلمات والعلاقات المعقدة التي يصعب تتبعها. ولم تعد البواقي أو المؤشرات الإحصائية التقليدية كافية لفهم منطق النموذج، كما لم تعد منحنيات التأثير البسيطة متاحة دائما لتفسير سبب انهيار تجمع يرقات الأسماك في موقع معين.

قد نثق في جودة تنبؤ الذكاء الاصطناعي، لكننا لا نفهم دائما لماذا أصاب النموذج، ولا كيف توصل إلى النتيجة.

وفي تقديري، لا يكمن الخطر الحقيقي للذكاء الاصطناعي في احتمال أن يخطئ فحسب، بل في أن يدفعنا إلى الاكتفاء بدقة التنبؤ، وأن يفقدنا الرغبة في فهم أسباب صوابه. وأمام هذا الصندوق الأسود، لا ينبغي للباحث أن يتحول إلى مجرد متلق سلبي للنتائج.

ولتجنب فخ هذه السهولة الظاهرية، يبرز أمام الجيل الجديد من الطلاب والباحثين مسار عملي ومتوازن. يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي مساعدا قويا لاقتراح الشفرات البرمجية الأولية، أو تنظيم البيانات، أو بناء الهيكل العام للتحليل. لكن ينبغي بعد ذلك إعادة تشغيل هذه الشفرات والتحقق منها منهجيا داخل بيئات تحليلية خاضعة للرقابة، مثل برنامج R.

ومن خلال العودة إلى معايير التحقق المعروفة، وفحص البواقي، وإجراء التشخيصات البيانية، ومقارنة النتائج بالملاحظات الميدانية، نستعيد قدرتنا على مساءلة النموذج، ونحد من عتمة الصندوق الأسود الذي قد يفرضه الذكاء الاصطناعي.

ففي علم الأحياء البحرية، كما في سائر العلوم، لا يتمثل الهدف في وصف المستقبل أو التنبؤ بما سيحدث فحسب. إن الغاية الأسمى هي فهم العالم الحي، حتى نتمكن من حمايته، وإدارة موارده، والانتفاع بها على نحو مستدام.

كاتب

زر الذهاب إلى الأعلى