في الــ11 من مارس من كل عام تتجدد الذكرى، ذكرى المغفور له بإذن الله الدكتور يحيى ولد حامدٌ، واحد من أبرز العباقرة الموريتانيين، وأحد أفضل الرياضيين على مستوى العالم في مجال تخصصه، ومع تجدد الذكرى تكبُر الأسئلة الخانقة وتعلو الأسئلة الخافتة، حول ما قدمت موريتانيا لعبقريها الفذ هذا، وماذا قدم لها هو؟
مسيرة حافلة
بين ميلاده في أطار نهاية الأربعينيات ومدفنه في آمنيكير بولاية اترارزة ستون عاما ونيف، بدأها يحيى، المولود للأديب والمؤرخ المؤلف المختار ولد حامدٌ، وآيات النبوغ ظاهرة عليه منذ كان صبيا دون العاشرة، وظهرت بجلاء حين التحق بمعهد بتلميت مطلع الستينيات، فهناك بهر ذكاؤه بعض أساتذته وكان من المتفوقين فيه إلى أن أتيحت له فرصة السفر إلى مصر مستكملا فيها دراسة الثانوية وبدايات التعليم العالي، حتى عاد منها بشهادة الباكلوريوس في الرياضيات، ليحمل على عاتقه تدريس هذا العلم العظيم للطلاب في الثانوية الوطنية بنواكشوط بداية السبعينيات. ولا يبدو أن التجربة كانت تلبي ما لديه من شغف و حب للرياضيات، فكان أن شد الرحال مجددا، ولكن إلى باريس هذه المرة، معمقا دراساته في الرياضيات حتى كللها بدكتوراه دولة 1980 وبقي حتى وفاته باحثا في المركز الوطني للبحث العلمي في باريس.
العبقري
ودون خوض في تفاصيل و فروع المجالات التي ارتضاها ولد حامدٌ منتجعا لبنات أفكاره باذلا لها ذكاءه العبقري وحدسه الرياضي، فإن العارفين به وزملاءه من الرياضيين، وليسوا بحكم تخصصهم ميالين لمنح الألقاب مجانا، يؤكدون عُلوَّ كعبه في مجاله، ومستوى عبقريته وطريقته في الاستغراق مع المسائل الرياضية وحلها.
يصفه صديقه البروفيسور محمدن ولد أحمدو بأنه كان شغوفا بالرياضيات إلى حد التصوف، و يصفه الدكتور يعقوب ولد امين بأنه ذكَّر “الإنسانية بالدور الحضاري العظيم الذي لعبه العلماء المسلمون الأوائل حين كان الخوارزمي و جابر بن حيان والكندي وغيرهم أساطين العلم ورواده” ووصفه صديقه آلان بلاني بأنه “موريتاني عظيم ورياضي استثنائي” وكذلك وصفه البروفيسور يوسف ساديو كوني بأنه حتى “وإن لم يكن معروفا في بلده فإنه علَم” ووصفه أيضا بأنه “إنسان استثنائي”.
هذه شهادات ضمن أخرى كثيرة لأصدقائه من الباحثين والعلماء، ممن كتبوا عنه أو أدلوا بها في مناسبات متفرقة، وليس من السهل حصر كل الشهادات عنه في مقال مقتضب كهذا، إلا أن الانطباع الذي يتأكد لسامع هذه الشهادات، هي أن موريتانيا خسرت برحيل يحيى ولد حامدٌ عبقريا لا يجود الزمان بمثله إلا نادرا.
المناضل
أيام التدريس في الثانوية الوطنية مطلع السبعينيات وفي مناخ وطني هائج، وجد ولد حامدٌ، القادم من مصر، نفسه مناضلا في صفوف حركة الكادحين وحاملا شعارات الترسيم والتأميم، وهو ما عرَّضه للاعتقال في سجن بيلا مع رموز الحركة الوطنية.
وعلى الرغم من انشغالاته الأكاديمية منذ التحاقها بالمركز الوطني للبحث العلمي في باريس إلا أن الهم الوطني ظل يشغل جزءا من حياته، وكان حاضرا في المحطات السياسية الحاسمة وشارك في بعض الحملات الانتخابية، وكان على علاقة وطيدة برموز المعارضة الموريتانية.
ساهم بشكل حاسم في حماية المحمية الطبيعية في حوض آركين من أي استغلال يهدد كائناتها الحية وقيمته العلمية والبيئية والحيوية، حيث كان عضوا في مجلسها العلمي.
التعليم .. التعليم
خاض مع عدد من أصدقائه الباحثين والأساتذة الجامعيين الموريتانيين نقاشات مكثفة للرفع من مستوى التعليم في البلاد وسعى له سعيا، إيمانا منه بأن التعليم ضمان للحاضر والمستقبل، ولهذا الغرض أعد مع صديقه البروفيسور محمدن ولد أحمدو، وبعض الأساتذة الآخرين، مشروعا في هذا الجانب، وسَعوا لنقله من دوائر التنظير إلى أرض الواقع عندما لاحت لهم بارقة أمل فيما أتاحته الفترة الانتقالية 2005-2007 من مناخ، وكان مشروعهم يسعى لخلق مسارات امتياز مفتوحة في المدارس الموريتانية ابتداءً من الثانوية، من أجل تنمية كل المواهب بطريقة تفتح للنظام التعليمي نوافذ للإبداع، هذه المسارات مرنة وبشكل لا مركزي في المدارس وفي جميع المجالات سواء كانت علمية أو أدبية أو فنية، وطرحوا أيضا فكرة الأقسام التحضيرية وفكرة إنشاء سلك الأساتذة المبرزين في الرياضيات والفيزياء وكان يتضمن توأمة لها مع بعض المؤسسات الرائدة في فرنسا بحيث يمكن للطالب بعد السنة الأولى أن ينهي الدراسة في فرنسا.
كانا يعيان تماما خطورة مدارس الامتياز بصيغة غير الصيغة التي قدماها، خشية ما قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التفاوت الطبقي والشرائحي بصيغ جديدة. وعمِلا في مشروعهما على تقديم رؤية متكاملة تأخذ في الاعتبار الحالة الثقافية والاجتماعية والاثنية والثقافية للمجتمع الموريتاني.
صحيح أن بعض الأفكار في المشروع الذي قدموا للحكومة آن ذاك قد طبقت، و إن كان بعضها رأى النور بعد رحيل يحي، ولكن صحيح أيضا أنها لم تطبق بالطريقة التي رأوا أنها الأفضل.
ماذا قدمت له الدولة الموريتانية؟
حسب المتاح لدي من معلومات فإنه لا وجود حتى الآن لأية مؤسسة تعليمية، ولو مدرسة ابتدائية رسمية، باسم هذا الباحث الكبير الذي تميز في مجاله وهو “نظرية البيانات” أو “نظرية المخططات البيانية” و “النظرية التزايدية للأعداد” وكان متفوقا فيه على المستوى العالمي، وهذه مزية من النادر أنها وجدت في مواطن موريتاني غير يحي ولد حامد.
وحسب المتاح أيضا فإن التكريم الوحيد الذي كرمت به الدولة الموريتانية الراحل يحيى هو منحه جائزة شنقيط في نسختها الأولى، أما الجائزة السنوية المعروفة باسمه فهي مبادرة من بعضه أصدقاء الراحل و هم المشرفون عليها غالبا، فمتى يحين الوقت لتكريم على قدر هذا العبقري؟
إن تكريم ولد حامدٌ يكون بتكريم أمثاله من العباقرة الموريتانيين الذي ألجأهم “الظروف” إلى أن يرحلوا عنا، و بتثوير تراثه و الاستفادة منه، و بالاعتراف له بأنه – كما وصفه الدكتور يعقوب ولد امين – “رفع من قيمة موريتانيا و كان من القلة الذين أعادوا للمسلمين شيئا من مكانتهم” و هذا الاعتراف يكون بأمور رمزية، أثرها متعد إلى شحذ همم الشباب و الطلاب في الثانويات.