أخبار وتغطيات

عالم الرياضيات الموريتاني محمدو سي ينتقل إلى رواندا لتأسيس قطب بحثي في المعادلات العشوائية

انتقل عالم الرياضيات الموريتاني محمدو سي إلى العاصمة الرواندية كيغالي، في المعهد الإفريقي للعلوم الرياضية في رواندا (AIMS Rwanda)، في مرحلة جديدة من مساره الأكاديمي تستهدف بناء مجموعة بحثية متخصصة في المعادلات التفاضلية الجزئية العشوائية وتكوين جيل جديد من الباحثين الأفارقة في هذا الحقل المتقدم من الرياضيات.

وبحسب مؤسسة ألكسندر فون هومبولت فإن البروفسور سي انتقل إلى كيغالي، بعدما كان نشاط كرسيه البحثي ومجموعته متمركزا خلال عامي 2024 و2025 في السنغال.

ولا يبدو الانتقال مجرد تغيير في الموقع الجغرافي لكرسي بحثي، إذ يأتي ضمن مشروع أوسع لتأسيس ما تصفه جامعة بيليفيلد بـمدرسة للمعادلات التفاضلية الجزئية العشوائية داخل البيئة الرياضية الرواندية، بالتعاون مع سي بصفته حاملا للكرسي البحثي الألماني في شبكة AIMS.

ويخطط المشروع لتشكيل فريق يضم طالبَي دكتوراه وثلاثة باحثين في مرحلة ما بعد الدكتوراه، يتلقون تدريبا بحثيا تحت إشرافه وبالتعاون مع جامعة بيليفيلد الألمانية.

ويركز البرنامج علميا على عدد من المسائل المفتوحة في تحليل معادلات نافييه–ستوكس، التي تستخدم في النمذجة الرياضية للموائع، ومعادلات شرودنغر اللاخطية المرتبطة بانتشار الموجات في الأوساط اللاخطية. وتشمل الأسئلة البحثية المطروحة دراسة الانتظام والانفجار في نماذج الموائع المتأثرة بالضوضاء العشوائية، وبناء نظريات احتمالية للحلول العالمية لمعادلات شرودنغر، إضافة إلى دراسة المقاييس الثابتة وصلتها المحتملة بنظرية الاضطراب.

من كيهيدي إلى مراكز بحثية دولية

يمثل الانتقال إلى رواندا محطة جديدة في مسار أكاديمي بدأ في موريتانيا. فقد حصل محمدو سي على شهادة البكالوريا من ثانوية كيهيدي عام 2009، قبل أن ينتقل إلى فرنسا لدراسة الرياضيات في جامعة Cergy-Pontoise، حيث حصل على الدكتوراه في الرياضيات عام 2017.

وتروي مؤسسة ألكسندر فون هومبولت أن سي نشأ في قرية صغيرة قرب نهر السنغال، حيث لم يكن التعليم الابتدائي يتوفر دائما داخل مبنى مدرسي، وكانت بعض الدروس تقام تحت شجرة. وقد تحدث لاحقا عن حضور الألغاز في التعليم التقليدي في طفولته، معتبرا إياها مدخلا مبكرا إلى التفكير الرياضي.

بعد الدكتوراه، التحق بجامعة فرجينيا في الولايات المتحدة باحثا مشاركا عام 2018، ثم انتقل عام2021 إلى Imperial College London، حيث عمل ضمن فريق عالم الرياضيات مارتن هيرر، الحائز على ميدالية فيلدز، قبل أن يشغل موقعًا في Johns Hopkins University ثم يعود إلى إفريقيا عبر AIMS Senegal.

برنامج بحثي يقوم على «العشوائية»

ينتمي عمل سي إلى منطقة متقدمة من الرياضيات تجمع بين المعادلات التفاضلية الجزئية ونظرية الاحتمالات والتحليل العشوائي. ويسعى جانب مهم من أبحاثه إلى تطوير أدوات احتمالية تسمح بدراسة حلول معادلات لاخطية يصعب التحكم فيها باستخدام الطرق الحتمية التقليدية وحدها.

وتشير AIMS إلى أن من أبرز مساهماته تطوير تقنيات تعتمد على الأساليب العشوائية لبناء نظريات احتمالية للحلول، ولا سيما في ما يعرف بالأنظمة فوق الحرجة بالنسبة للطاقة، وهي من البيئات التي تصبح فيها مسألة إثبات وجود الحلول وانتظامها على المدى الطويل أكثر تعقيدا.

ويضع مشروع رواندا الجديد إحدى المقاربات التي طورها سي، والمعروفة باسم Inviscid–Infinite-Dimensional limit، ضمن الأسس الرياضية التي سينطلق منها الفريق لمعالجة مسائل جديدة في معادلات شرودنغر ونماذج ديناميكيات الموائع.

من البحث الفردي إلى بناء مدرسة علمية

يحمل الانتقال إلى كيغالي أيضا بعدا يتجاوز إنتاج الأوراق العلمية. فالمشروع الممول في إطار التعاون مع الخدمة الألمانية للتبادل الأكاديمي (DAAD) يستهدف معالجة واحدة من المعضلات التي تواجه البحث العلمي في أجزاء من القارة: محدودية الفرص المتاحة للباحثين بعد الحصول على الدكتوراه، وما يترتب عليها من مغادرة باحثين شباب للمؤسسات المحلية أو خروجهم مبكرا من المسار الأكاديمي.

ولهذا لا يقتصر البرنامج على الإشراف على طلبة الدكتوراه، بل يشمل باحثين بعد الدكتوراه، ومدارس صيفية سنوية، وندوات وورش عمل وبرنامجا للزيارات البحثية، على أن يشكل AIMS Rwanda مركزا لتنسيق جزء من هذه الأنشطة داخل المجتمع الرياضي الرواندي وفي شبكات التعاون الإفريقية والدولية.

ويتقاطع ذلك مع رؤية أعلن عنها سي في مناسبات سابقة. فقد نقلت عنه مؤسسة ألكسندر فون هومبولت أنه كان يطمح إلى العمل في بلد إفريقي بهدف الجمع بين تطوير أبحاثه الرياضية والمساهمة في تطوير الرياضيات في إفريقيا.

وله كذلك اهتمام بتوسيع الوصول إلى الرياضيات خارج اللغات الأكاديمية المهيمنة؛ إذ سبق له أن نشر ثلاثة كتب في الرياضيات بلغة Pulaar/Fula في إطار دعوته إلى تطوير تدريس العلوم باللغات الإفريقية وربطه بالسياقات الثقافية المحلية.

وبانتقال مجموعته من السنغال إلى رواندا، ينتقل مشروع سي تدريجيا من مسار الباحث المتخصص إلى محاولة بناء بيئة بحثية مستدامة حول تخصصه. وتوضح جامعة بيليفيلد أن المرحلة الجديدة، الممتدة حتى عام 2028، لا تستهدف فقط إنتاج نتائج في مسائل رياضية مفتوحة، بل تكوين باحثين قادرين على بناء حضور دولي في مجال المعادلات التفاضلية الجزئية العشوائية انطلاقًا من مؤسسة إفريقية.

وفي هذا المعنى، يمثل موقعه الجديد في كيغالي امتدادًا لفكرة لازمت مساره منذ عودته إلى القارة: ألا يكون حضور الباحث الإفريقي في شبكات الرياضيات العالمية مرتبطًا بالهجرة منها بالضرورة، بل أن تصبح المؤسسات الإفريقية نفسها أماكن يمكن فيها إنتاج الرياضيات المتقدمة وتكوين من سيواصل إنتاجها.

المصطفى زين

محرر صحفي في قضايا العلوم والبيئة
زر الذهاب إلى الأعلى