أخبار وتغطيات

يصطاد في موريتانيا ويؤكل في اليابان.. إلى أي مستوى وصل استنزاف “الأخطبوط الشائع”؟

هذه القصة من إعداد ناتالي بيرترامز Nathalie Bertrams وتريستان تايلور Tristan Taylor وإنجريد جيركاما Ingrid Garcia تشينغ لي تور Ching-Li Tor

  • ملاحظات: أعدت هذه المادة من طرف فريق صحفي دولي، بدعم من Pulitzer center ونشرت نسختها الانجليزية على موقع Daily Maverick بينما نشرت نسختها الألمانية على موقع sueddeutsche من إعداد الصحفية Nathalie Bertrams وقد زارت موريتانيا بشكل ميداني والتقطت الصور وأجرت المقابلات.
    هناك اختلافات نسبية من النسختين الانجليزية والألمانية، وقد جمعنا بينهما في هذه الترجمة العربية.
    – المقصود بـ “الأخطبوط الشائع” هو اسم نوع محدد من الأخطبوط. اسمه العلمي Octopus vulgaris، والاسم الإنجليزي المعتمد له هو Common octopus الذي ترد ترجمته في العنوان أعلاه.
    – الأسماء اليابانية والأسبانية تركناها كما وردت في النص الأصلي.

    – استخدمنا الذكاء الاصطناعي في الترجمة من الألمانية إلى الانجليزية وفي مراجعة الفروق بين النسختين.


تمضي الحياة بانتظام في مدينة طوكيو التي يبلغ عدد سكانها 37 مليون نسمة. تسير القطارات بدقة وفق مواعيدها، والناس يتعاملون بأدب واحترام، ولا ترى قمامة تشوه منظر الأرصفة. وهنا يحظر التدخين إلا في مطاعم الإيزاكايا، وهي أماكن محلية مريحة وغير متكلفة، تتميز بأسعار مشروبات معقولة ورواد مرحبين.
يحظر التدخين في الشوارع هنا، لكن ذلك لا يشمل جميع حانات الإيزاكايا، وهي أماكن محلية بسيطة ومريحة الأجواء، تُقدَّم فيها المشروبات بأسعار معقولة، ويرتادها زبائن يتعاملون بلطف ومودة.

الفوانيسها الحمراء المعلقة في الخارج هي العلامة على الإيزاكايا، التي يعد اجتماع 20 شخصا فيها ازدحاما. اجلس وراقب الطاهي المحترف وهو يُعِدّ أطباق المكان المميزة. قد تكون أسياخا صغيرة من لحم الخنزير المشوي على الفحم، أو أخطبوطا مقليا في زيت غزير، أو توفو شهيا ذا قوام ناعم، أو سوشي مُتبلا بعناية.

طعام الإيزاكايا شهي إلى حد يستحق أن تموت من أجله، أما الأخطبوط الشائع، فالعبارة هنا حرفية تماما.

أخطبوط موريتاني في سوق الأسماك بطوكيو. الصورة بعدسة Nathalie Bertrams ناتالي بيرترامس. اليابان.

ووفقا لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، شكل الأخطبوط الموريتاني 38% من إجمالي واردات اليابان من الأخطبوط، البالغة 10,434 طنا، خلال الربع الأول من عام 2023.

ويستهلك الأخطبوط في مختلف أنحاء اليابان، في هيئة “الساشيمي” مثلا، لكن في أوساكا تحديدا تبلغ هذه الأكلة ذروة حضورها وشعبيتها. فعلى امتداد الشوارع الرئيسية المزدحمة ليلا والمتوهجة بأضواء النيون، تنشغل أكشاك الطعام بإعداد التاكوياكي، فيما يصطف الناس في طوابير لشرائه. صغارا وكبارا، عائلات، رجالا ونساء، سكانا محليين وسياحا؛ جميعهم يريدون تذوق ما يمكن اعتباره أحد أطعمة الشوارع التي تجسد هوية أوساكا.

ابتُكر التاكوياكي عام 1935، ويُطهى في قوالب خاصة. وهو عبارة عن كرات مستديرة من خليط البيض المتبّل، تتوسط كلًّا منها قطعة صغيرة من الأخطبوط. وتُضاف إلى سطحها رقائق السمك والمايونيز وصلصة خاصة بالتاكوياكي. ويبلغ سعر ثماني كرات من التاكوياكي نحو 600 ين ياباني (154.7 أوقية موريتانية جديدة).

المشكلة التي تواجه الأخطبوطات هي تزايد الطلب، وارتفاع الأسعار، ومحدودية المعروض. ومعظم مصايد الأسماك في العالم، بما فيها المصايد الموريتانية، تتعرض للاستغلال المفرط.

ويطلق الصيادون والمصدرون في موريتانيا على أجود درجات الأخطبوط المصطاد تسمية “جودة اليابان”. أما سعر تصدير الكيلوغرام الواحد من Octopus vulgaris، المعروف أيضا باسم الأخطبوط الشائع، فيُحدَّد في موريتانيا بالاستناد إلى السعر الذي يكون المشترون اليابانيون مستعدين لدفعه.

وفي نواذيبو، المدينة الساحلية التي تُعدّ مركز صناعة صيد الأخطبوط في البلاد، لا يستخدم الناس الكلمة الفرنسية أو العربية للدلالة على الأخطبوط، بل يستخدمون الكلمة اليابانية: تاكو (tako).

أخطبوط موريتاني في سوق الأسماك بطوكيو. الصورة بعدسة Nathalie Bertrams ناتالي بيرترامس. اليابان.

أخطبوط موريتاني في متجر “أكيداي” (Akidai) بطوكيو. الصورة بعدسة Nathalie Bertrams ناتالي بيرترامس. اليابان.

يمتلك هيروميتشي أكيبا سوبرماركت أكيداى الشهير في طوكيو. وتبدو الفواكه والخضراوات المعروضة في المتجر مثالية، ولا تُرى عليها أي شائبة. وأكيبا مفعم بالطاقة، ويبدو أنه يستمتع بالمناداة على المتسوقين ليعدد لهم مزايا بضاعته. وبينما يقف بجوار عرض لأخطبوط موريتاني مبرد، يحتوي كل كيس على ذراعين، يقول: الأخطبوط الموريتاني يحظى بشعبية كبيرة في اليابان، ويرجع ذلك جزئيا إلى لونه المشابه للون الأخطبوط الياباني.

يتمتع المستهلكون اليابانيون بحس جمالي قوي. فمستوردو الأخطبوط لن يشتروا، مثلا، أخطبوطا ذا سبعة أذرع. وفي ميناء نواذيبو الموريتاني، ثمة من تكون مهمته شم كل أخطبوط على حدة، عند إنزاله من القارب خلال موسم الصيد.

تتضمن إجراءات مراقبة الجودة الصارمة شمّ الحمولة للتحقق من عدم تسرب أي وقود من القارب، إذ أن ذلك من شأنه أن يجعل الحمولة بأكملها غير صالحة للاستخدام. الصورة بعدسة Nathalie Bertrams ناتالي بيرترامس. اليابان.

يوضح السيد لي، مالك شركة BS Frigio الموريتانية والكورية الجنوبية، أنه إذا كانت رائحة أخطبوط واحد فقط في شحنة ما كريهة، كرائحة البنزين مثلا الصادرة عن محرك خارجي، فإن عميله الياباني، شركة Kanematsu Corp، سيرفض الشحنة بأكملها. إذ كانيماتسو سنويا 390 طنا من رأسيات الأرجل من موريتانيا، بقيمة 12.3 مليون دولار.

ولي واحد من نحو 100 ألف شخص في نواذيبو من المتوقع أنهم يعتمدون في معيشتهم على مصايد الأخطبوط التي تتعرض لاستغلال مفرط في موريتانيا. ويُقدّر عدد سكان نواذيبو بنحو 140 ألف نسمة، بينما يزيد عدد سكان البلاد قليلًا على أربعة ملايين نسمة.

السيد لي مُصدِّر كوري للأخطبوط، يبيع منتجاته إلى اليابان وإسبانيا. وهو يتولى بنفسه تصنيف هذه الرخويات حسب الجودة. الصورة بعدسة ناتالي بيرترامس. موريتانيا.

ويُعد صيد الأخطبوط جزءا مهما من الاقتصاد الموريتاني؛ إذ بلغت قيمة صادراته في عام 2021 312.7 مليون دولار.

ذكاء انفرادي

“الأخطبوط الشائع” من رأسيات الأرجل سريعة النمو وقصيرة العمر، إذ يعيش من سنة إلى سنتين، ويمتد نطاق وجوده من جنوب أفريقيا إلى إنجلترا. ويعيش في البيئات الساحلية حتى عمق 250 مترا، وإن كان يوجد عادة على عمق يقارب 100 متر. وهو مفترس انفرادي يتغذى على القشريات والرخويات والأسماك. وعضته سامة. وتتيح له الكروماتوفورات الموجودة في جلده تغيير لونه والاندماج مع بيئته.

يمكن أن يصل وزن البالغ إلى تسعة كيلوغرامات، لكن المتوسط يتراوح بين أربعة وخمسة كيلوغرامات، ويمكن للأنثى إنتاج ما يصل إلى نصف مليون بيضة. وبعد أن تضع البيض، تظل الأنثى تحرس العرين خلال الأشهر الخمسة التالية حتى يفقس، ونادرًا ما تغادره ولو للحظة. وفي نهاية المطاف تموت جوعا، بينما تنجرف الصغار الخارجة من البيض، وهي في طور العوالق، في المحيط خلال الأيام الـ22 إلى الـ25 التالية، ثم تستقر على قاع البحر بوصفها صغارا. ولا ينجو سوى عدد قليل منها حتى مرحلة البلوغ. كما تموت ذكور الأخطبوط بعد التزاوج.

وعلى خلاف الكائنات الاجتماعية، مثل الأسود التي تعلم صغارها كيفية البقاء، يتعين على كل أخطبوط أن يتعلم بمفرده ومن الصفر. ومع ذلك، فهي شديدة الذكاء، وربما يكون الأخطبوط الشائع أذكى أنواع جنسه. ومن أصل 500 مليون خلية عصبية لدى هذا الكائن، يوجد ثلثاها في أذرعه الثمانية. وهو يستخدم الأدوات ويستطيع حل الألغاز المعقدة. وهو يحلم.

يعود أقدم سلف معروف له، استنادا إلى أحفورة عُثر عليها في الولايات المتحدة، إلى 330 مليون سنة مضت. أي إن تاريخه التطوري أقدم من الديناصورات. وعن هذا الأخطبوط ذي المظهر الشبيه بكائن فضائي، يقول الدكتور سيدني بريمر، الحائز على جائزة نوبل، إنه “أول الكائنات الذكية على الكوكب”.

وبسبب قدرته على الإحساس وطبيعته الانفرادية، لم يتمكن أحد حتى الآن من استزراع الأخطبوط. وببساطة، لا تعيش الأخطبوطات جيدا عندما تكون قريبة من بعضها بعضا. وعندما أُجريت محاولات للاستزراع المائي، أظهرت الكائنات مستويات مرتفعة من التوتر، وانخرطت أحيانا في أكل لحوم بني جنسها.

توضح كيري تييتغه، وهي خبيرة في الأخطبوط لدى منظمة Eurogroup for Animals المعنية برعاية الحيوان ومقرها بروكسل، أن “جعل [عملية الاستزراع] مربحة يتطلب كثافة عالية في التخزين. وبمجرد وجود هذه الحيوانات في مساحة صغيرة، فهذه مشكلة بالنسبة إلى رفاهها، كما أنها توجد في أحواض جرداء مصطنعة بالكامل. وهذه الحيوانات شديدة الذكاء لا تجد أي محفزات. ولهذا تتحول أحيانًا إلى العدوانية. إنها متوترة وملولة”.

لكن العالمين إريك إدسينغر وغول دولن وجدا – بحسب ما نشرا في مجلة Current Biology عام 2018 – أنه يمكن جعل الأخطبوط أكثر ودا تجاه جنسه مؤقتا إذا أُعطيت مادة MDMA، المعروفة أيضا باسم الإكستاسي. ومع ذلك، فهذه بالكاد تقنية قابلة للتطبيق في الاستزراع المائي.

وكانت شركة إسبانية، اسمها Nueva Pescanova، أحدث شركة تحاول استزراع الأخطبوط، وكانت تهدف إلى إنتاج 3,000 طن سنويا، أي ما يقارب مليون فرد.

قدمت نوفا بيسكانوفا طلبا للإفلاس هذا العام، وهي متورطة حاليا في نزاع عمالي كبير. ورفضت الشركة السماح لـDaily Maverick بزيارة منشأة أبحاثها أو حتى إجراء مقابلة. وحتى الآن، لم تتمكن نوفا بيسكانوفا من استزراع أي كمية من الأخطبوط. ويعارض نشطاء حقوق الحيوان بشدة مسعى الشركة للحصول على التراخيص البيئية.

A pulpeiro in O Carballiño, Galicia, cooking the traditional ‘pulpo a feira.’ Image by Nathalie Bertrams. Spain.

وهكذا، في الوقت الراهن على الأقل، سيستمر توفير الإنتاج العالمي من الأخطبوط — الذي تضع أحدث أرقام الفاو، لعام 2021، حجمه عند قرابة 375 ألف طن — من خلال الصيد وحده. وفي عام 2021، صدّرت مصايد موريتانيا 25,188 طنا منه.

يقول حسن يحظيه، وهو صياد في نواذيبو بموريتانيا وأب لخمسة أبناء، إنه عندما يتمكن من العثور على أخطبوط، يبلغ متوسط حجمه 1.5 كيلوغرام. وبناء على هذه المعلومة المستمدة من تجربة فردية، وبصورة تقريبية، يخرج نحو 16.7 مليون أخطبوط من المياه الموريتانية سنويًا.

وفي حين أن تحديد العدد الدقيق للأخطبوطات التي قُتلت يشبه إلى حد ما السؤال عن طول قطعة من الخيط، فإن الأرقام الرسمية لا تُعطى إلا بالطن، والحد الأدنى القانوني للمصيد في موريتانيا هو 500 غرام. ولا شك في أن ملايين وملايين من الأخطبوط الشائع تُصاد، وينتهي بها المطاف في بطون المستهلكين اليابانيين والأمريكيين والكوريين الجنوبيين. والأوروبيين أيضا. الإسبان منهم على وجه الخصوص.

عند طهي الأخطبوط، يتحول لونه إلى الأحمر المميز. الصورة بعدسة ناتالي بيرترامس.

زيت الزيتون والملح والبابريكا وشرائح الذراع المسلوقة

وفقا لتقرير صادر عن المرصد الأوروبي لسوق منتجات مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، نشر في وقت سابق من هذا العام، جاءت 80% من واردات الاتحاد الأوروبي من الأخطبوط، البالغة قيمتها 972 مليون يورو في عام 2021، من المغرب وموريتانيا والسنغال.

وباعتبارها ثالث أكبر مستورد للأخطبوط في العالم، تؤدي إسبانيا دور مركز لتجارة الاتحاد الأوروبي. ويمر ثلثا واردات الاتحاد الأوروبي عبر البلاد. وإلى جانب إعادة التصدير إلى دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا، يأكل الإسبان أيضا كميات كبيرة من الأخطبوط، نحو 1.3 كيلوغرام للفرد سنويا.

موطن أطباق الأخطبوط في إسبانيا هو إقليم غاليسيا، الواقع في أقصى شمال غربي البلاد، ولا سيما بلدة أو كارباليينيو (O Carballiño)، التي يبلغ عدد سكانها نحو 14 ألف نسمة. ويهيمن تمثال ضخم لأخطبوط على الدوار الرئيسي في البلدة.

مارتا باروس هي مديرة Restaurante Casa Gazpara، وهو مطعم راقٍ شهير متخصص في الأخطبوط. ويرن هاتفها باستمرار بينما نتحدث إلى طاولة في الخارج. وبجوارنا، يسحب أحد الطهاة أخطبوطا موريتانيا كاملا من قدر نحاسي يغلي. ويلتقط الناس الصور ويسألون عن موعد افتتاح المطعم.

ومنذ 61 عاما، يُقام في أغسطس مهرجان للأخطبوط، هو La Festa do Pulpo de O Carballiño. وتقول باروس إن “ما بين 80 ألفا و100 ألف شخص يأكلون الأخطبوط”، وإنه “جزء مهم جدا” من ثقافة المنطقة.

أما بالنسبة إليها، فالمتعة تكمن في رؤية رد فعل الناس عند تقديم الأخطبوط إليهم، ومنحهم ما يحبون.

تقع أو كارباليينيو على بعد 120 كيلومترا من الساحل، ولم تصبح موطنا لفن طهي الأخطبوط إلا بسبب الضرائب. ففي القرن السادس عشر، كان رهبان دير Santa María de Oseira، القريب من أو كارباليينيو، يقبلون الأخطبوط من المزارعين المستأجرين بدلا من الدفع. وحقق الرهبان مكاسب كبيرة من هذا الترتيب، حتى بدأوا بيع الأخطبوط وتعليم نساء المنطقة كيفية طهيه.

في مصنع إسباني، يجري تجهيز أخطبوط موريتاني للطهي؛ إذ يُفصل الرأس (ويُباع بشكل منفصل لاستخدامه في تشكيلات المأكولات البحرية)، ثم تُقطع الأذرع بعناية. الصورة بعدسة ناتالي بيرترامس. إسبانيا.

ولا تزال تجارة الأخطبوط عملا مربحا في غاليسيا، وقد امتهنت عائلة دانيال أتانيس هذه التجارة لأربعة أجيال. ويمتلك أتانيس شركة A Pulpeira، وهي شركة ناجحة تستورد الأخطبوط الشائع وتجهزه وتصدره. وتبيع الشركة لعملاء في إسبانيا ودول أوروبية أخرى وأمريكا وأستراليا واليابان. وهو يعتز بتاريخ عائلته وبفن الطهي الغاليسي.

وعن موريتانيا والصحراء الغربية المجاورة، يقول: “من هناك تأتي جودة اليابان، وهي الجودة الوحيدة التي نستخدمها”.

وكما هي الحال في موريتانيا، تُعرف أفضل جودة من الأخطبوط باسم “جودة اليابان” في القطاع الإسباني. وقد انخفضت كميات إنزال الأخطبوط في غاليسيا كثيرا، من 4,100 طن في عام 2010 إلى 2,100 طن في عام 2019. وبلغ المصيد ذروته عند 16 ألف طن في عام 1968.

تقع A Pulpeira في أطراف أو كارباليينيو، داخل منطقة صناعية خفيفة. ومن الخارج تبدو كمستودع عادي لا يلفت الانتباه؛ قد يكون مخصصًا لتخزين قطع غيار السيارات أو أرشفة السجلات الضريبية للشركات. لكن الداخل قصة مختلفة. فهناك مسلخ.

وبعد مكتب أمامي عادي، وبعض المكاتب والموظفين الذين يتطلعون إلى العودة إلى منازلهم في نهاية يوم العمل، يأتي المصنع، وبعده يوجد مستودع فعلي. وعندما زارت Daily Maverick المكان، كان يحتوي على 300 طن من الأخطبوط القادم من موريتانيا والصحراء الغربية. وتستورد الشركة 800 طن سنويا، وتوظف، بحسب الموسم، ما بين 40 و50 شخصا.

تبدأ عملية الطهي بإذابة كتل الأخطبوط المجمدة. وبعد ذوبانها، توضع الأخطبوطات في ما يبدو كأنه غسالة ضخمة من الفولاذ المقاوم للصدأ تُحمّل من الأعلى. لماذا؟ لأنها بالفعل غسالة. وبعد غسل الأخطبوطات، يفتح أحد العمال فتحة في أسفل الآلة. ويبدو أن الأمر يستغرق وقتا طويلا جدا حتى تنزلق آخر واحدة منها إلى الخارج.

تقطع امرأتان الرؤوس وتفصلان الأذرع. ويتكرر ذلك مرارا، بينما تنتشر رائحة حلوة نفاذة في الهواء البارد. وتُعبأ الأذرع بالتفريغ الهوائي، ثم تُنقل إلى أوعية طهي بالضغط. ولم يرغب أتانيس في أن تصوّر Daily Maverick شاشات الحاسوب الخاصة بأوعية الطهي؛ فدرجة الحرارة والضغط الدقيقان سر تجاري. لكن الأخطبوطات الرمادية واللزجة إلى حد ما تتحول إلى لون أحمر مستساغ، وهي تُطهى في عصارتها.

وأدى الانتشار العالمي لأطباق البوك (poke) الهاوايية ومطبخ التاباس على الطريقة الإسبانية، وفقا للفاو، إلى زيادة الطلب على الأخطبوط. وتاكو بوك (Tako poke) طبق هاوايي كلاسيكي يتكون من شرائح أخطبوط مطهو متبلة برقائق الفلفل الحار وزيت السمسم وبذوره والبصل الأخضر وصلصة الصويا. ويُؤكل باردا. وتوجد منه تنويعات كثيرة.

وماذا يحدث لرؤوس الأخطبوط؟ يرسلها أتانيس إلى شركة إسبانية أخرى، حيث تُقطع إلى أجزاء وتُضاف إلى عبوات خليط المأكولات البحرية المجمدة.

قبل ثلاثة أعوام، قدّرت شركة الاستشارات السوقية Renub Research أن الطلب على جميع أنواع الأخطبوط سيزداد في عام 2025 إلى 625 ألف طن، أي ما يعادل 1.6 ضعف الإنتاج الحالي. لكن لا توجد مؤشرات على إمكانية تحقيق مثل هذه الزيادة. ومع ارتفاع الطلب وتقييد المعروض، سترتفع الأسعار. فعلى سبيل المثال، صدّرت موريتانيا 31,102 طنا عام 2020 بقيمة 228.6 مليون دولار، ثم صدّرت في عام 2021 كمية أقل بـ5,914 طنا، لكن القيمة كانت أعلى بمقدار 84.1 مليون دولار.

وقد شهد هيروميتشي أكيبا ارتفاع سعر الأخطبوط بصورة كبيرة؛ إذ كان سعره قبل بضع سنوات 1,000 ين للكيلوغرام، أما الآن فأصبح 4,000 ين. ويقول إنه “في الأيام الأولى، كان يحظى بشعبية كبيرة، ورخيصا، وكان بمقدور الجميع تناوله”.

أتانيس رجل ودود، ويجيد التعامل مع الناس. وبعد انتهاء زيارة المصنع، كان حريصا على إظهار كيفية تناول الأخطبوط في أو كارباليينيو. يسخن ذراعا من الأخطبوط في ميكروويف الشركة، وهو ليس القدر النحاسي التقليدي تماما، لكن أتانيس يقول إن ذلك لا يحدث فرقا في الطعم. وبعد تقطيع الذراع بالمقص، يضع الشرائح على طبق خشبي، ويسكب عليها قليلا من زيت الزيتون ويرش البابريكا والملح. Pulpo á feira، أشهر أطباق غاليسيا.

وبعد قطعتين، تتلاشى النكهة الرائعة، ولا يبقى سوى الرماد.

7,500 قارب

من ناحية مهمة واحدة على الأقل، تُعد مصايد الأخطبوط في موريتانيا قصة نجاح. فحتى عام 2012، كانت القوارب الأوروبية واليابانية والصينية، التي كانت تمارس في كثير من الأحيان الصيد المدمر بشباك الجر القاعية، تهيمن على القطاع. ومنذ ذلك الحين، شرعت الحكومة الموريتانية في سياسة توطين القطاع، وأصبحت الشركات والقوارب والأطقم الموريتانية هي التي تتولى القطاع اليوم.

ميناء الصيد التقليدي في نواذيبو بموريتانيا، الذي يضم ما بين 5000 و7500 قارب صيد تقليدي مخصص لصيد الأخطبوط. يمارس ما يصل إلى 50 ألف رجل صيد الأخطبوط، ويعمل في الموقع ما لا يقل عن 100 ألف شخص إجمالا. الصورة بعدسة ناتالي بيرترامس.

ميناء نواذيبو مكتظ بقوارب الصغيرة التي تسمى (pirogues)، غالبا ما تكون مطلية باللون الأزرق ومجهزة بمحركات خارجية. أما الشاطئ فهو فوضى لزجة كريهة الرائحة من الكائنات البحرية الميتة المتعفنة تحت وطأة الحرارة والرطوبة. يقضي الصيادون 15 إلى 20 يوما في البحر، أحيانا في ظروف محفوفة بالمخاطر. وتأتي قوارب أخرى لجمع المصيد كي يظل طازجا. وهناك مصدّرون محليون وأجانب، يجمد كل منهم مئات الأطنان.

ويعتمد 50 ألف صياد و100 ألف شخص على مصايد الأخطبوط في سبل عيشهم. وعلى خلاف جنوب أفريقيا، وعلى الرغم من أن موريتانيا بلد فقير، فإن أسس اقتصادها تبعث على الأمل. يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 2.4%، وعدم المساواة أقل بكثير مما هي عليه في جنوب أفريقيا، كما يبلغ معدل البطالة 11%، وهو معدل يحسد عليه. لكن مشكلة تلوح في الأفق.

الدكتور بيّاه اميسه، وهو عالم أحياء بحرية في المعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والمصايد، الواقع مقابل ميناء نواذيبو، يشعر بالقلق.

ويشير اميسه إلى أنه “حدثت زيادة في عدد القوارب التي تصطاد الأخطبوط هنا لأن السعر يرتفع أيضا. والصيادون – رغم أنه منذ عام 2016 أصبح نظام الحصص، أي إجمالي المصيد المسموح به (TAC)، مطبقا — ارتكبوا تجاوزات… تجاوزات للحصة الإجمالية المسموح بها”.

ويضيف:

«اقتُرحت الحصة الإجمالية المسموح بها استنادا إلى البحوث لضمان الاستدامة، لكنها لم تُحترم كثيرا من جانب الصيادين. وهذا يعني أنهم كانوا يصطادون أكثر بكثير مما ينبغي. وهذا، بطريقة ما، يؤثر في حالة المورد في الوقت الراهن. والخلاصة أن المخزون يتعرض بالفعل للاستغلال المفرط.

تحاول الحكومة الحد من الأضرار.

فهناك مواسم محددة للصيد، وكذلك مناطق يُحظر فيها الصيد. وتمتلك موريتانيا خفر سواحل. ومع ذلك، يواصل الصيادون الضغط على الحكومة للإبقاء على المصيد مفتوحا، لأن الحياة صعبة على متن القوارب البالغ عددها 7,500.

بدأ عتيق بوقفاره أتيغ بوقافار، المولود عام 1975، العمل في الصيد عام 1996. وأحيانا يصطاد الأخطبوط وأحيانًا لا. ويقول: “إنه مجرد قدر قليل من المال يسمح لي بالبقاء على قيد الحياة. الأمر خطير جدا، لكن ليس لدي خيار، يجب أن أذهب. معظم العمال لا يملكون قوارب؛ رجال الأعمال هم أصحابها، وهم يصطادون لحسابهم».

العتيق بوغفاره (48 عاما)، صياد في ميناء نواذيبو. يمارس الصيد منذ عام 1996 ويستخدم مصيدة جديدة أدخلها الصينيون. الصورة بعدسة ناتالي بيرترامس. موريتانيا.

ويتقاسم الصيادون الخمسة إلى السبعة على متن القارب الواحد ربحا قدره 252 أوقية جديدة لكل كيلوغرام.

بابانا يحيى محمد، وهو مفتش عام في وزارة الصيد والاقتصاد البحري. وتحدثت معه Daily Maverick في محطة وقود منعزلة بين نواذيبو ونواكشوط. قُدّم الشاي بالنعناع الحلو. وكانت الماعز أمامنا والكثبان تحيط بالمكان من كل جانب. موريتانيا بلد جاف، ثلاثة أرباعه صحراء أو شبه صحراء، ومساحتها قريبة من مساحة جنوب أفريقيا.

وأمحمد يدرك تمامًا محنة أشخاص مثل بوقافار، إذ يقول:

“الصيادون مثل أولئك الموجودين في البحر الذين يقولون إن سمكة تأكل سمكة أخرى. إنها سلسلة. وهنا أيضا، كل رجل يأكل الآخر.

“هناك المستورد الكبير الذي يشتري المنتج ويحاول التلاعب بالمنتجين [المصدّرين] الموريتانيين. والمنتجون يتلاعبون بالجامعين [الوسطاء] الذين يتلاعبون بالصيادين الصغار. كل واحد منهم عبد للآخر”.

قلة قليلة جدا من الموريتانيين تأكل الأخطبوط، إذ يجدونه مقززا. أما الماعز والإبل والأغنام والأبقار فهي ما يُؤكل. وفي الواقع، لم تبدأ مصايد الأخطبوط إلا في سبعينيات القرن الماضي — وكل ذلك بسبب رجل ياباني واحد.

شقة صغيرة في طوكيو

بملابسهم الرسمية المكوية، يستخدم رجال ذوو شعر أشيب عصيا مضيئة لتوجيه المشاة حول جزء صغير من الطريق يخضع لأعمال صيانة خارج مبنى سكني عادي مؤلف من 11 طابقا. ويلعب طفل في حديقة صغيرة على الجانب الآخر من الطريق الضيق. وهناك ساحة لتدريب الغولف محاطة بشباك يبلغ ارتفاعها ثلاثة طوابق. مدينة إيدوغاوا، وهي جزء مستقل من طوكيو الكبرى، منطقة هادئة تسودها المساكن العائلية.

لكن الهدوء لا يسود بالقدر نفسه في شقة ماساكي ناكامورا الصغيرة والنظيفة تماما. فالجيران يجرون أعمال تجديد، ومن المتوقع أن يتوقف صوت الحفر بعد شهرين، وبعد ذلك، وبمجرد أن يتعافى ناكامورا تماما من عملية جراحية في الورك، سيزور نواذيبو مرة أخرى. وهو معتاد على السفر جوا، فقد زار 120 دولة.

سافر ناكامورا إلى موريتانيا للمرة الأولى عام 1976، ممثلا الوكالة اليابانية للتعاون الدولي، وحاملا درجة دكتوراه في علوم المصايد. وما وجده ناكامورا آنذاك، أثناء بحثه في إمكانية تطوير قطاع للمصايد، كان “لا شيء. لا شيء سوى الصحراء. لم أكن أعرف ماذا ينبغي أن أفعل”.

جاء الدكتور ماساكي ناكامورا، وهو عالم متخصص في مصايد الأسماك، إلى موريتانيا في سبعينيات القرن الماضي ممثلا عن الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا)، حيث عمل على تطوير قطاع صيد الأخطبوط في البلاد. وقد درّب الصيادين على استخدام الأواني التقليدية كمصائد للصيد؛ فبعد أن كان عددهم في البداية لا يتجاوز عشرة صيادين، ارتفع هذا العدد ليصل حاليا إلى 50 ألف صياد. الصورة بعدسة ناتالي بيرترامس. اليابان.

كان العثور على صيادين أحد أول تحدياته. ووفقا لوثائق صادرة عن السفارة الأمريكية في موريتانيا، لم يكن في البلاد كلها سوى 1,800 صياد حرفي عام 1981. وحتى عام 1979، كانت الأساطيل الأجنبية وحدها — ومعظمها يابانية وإسبانية وسوفياتية — تجوب المياه. بدأ ناكامورا مع عشرة صيادين. وعلمهم الطريقة اليابانية التقليدية لاستخدام الأواني الفخارية لصيد الأخطبوط، وعمل على تصميم القوارب. وكانت شركة يابانية تشتري المصيد.

ولا يزال الموريتانيون يستخدمون الأواني، وإن أصبحت الآن مصنوعة من البلاستيك، لأنها غير مدمرة وبسيطة التشغيل: تُثبّت الأواني كل مترين على امتداد حبل طوله 100 متر، ثم تُغمر حتى عمق يقارب 30 مترًا، وتُسحب في اليوم التالي. يدخل الأخطبوط إلى الوعاء للاختباء، لكنه ينتهي به المطاف في قاع القارب.

وكان لحالتي الجفاف اللتين ضربتا البلاد في سبعينيات القرن الماضي دور مهم في تطور هذا القطاع في موريتانيا. يقول بابانا محمد إن “الجفاف قضى على جميع الماشية، لأن الموريتانيين، بطبيعتهم، وُلدوا وظهورهم إلى البحر. إنهم رحّل متنقلون… ولا يعرفون شيئا عن البحر”.

وكانت نتيجة الجفاف “نزوحا جماعيا للناس إلى نواكشوط ونواذيبو، وكان علينا أن نجد بديلا. عندها أدركنا أن لدينا ثروة من المصايد هنا، يمكن أن تولد المال وفرص العمل للشباب”.

ويصر ناكامورا على ضرورة المضي قدما في عملية توطين القطاع. ويقول: “لدى الصين أسطول ضخم يضم مئات سفن الجر قبالة سواحل غرب أفريقيا، وهم يسرقون جميع الموارد”.

وبحسب ما يراه، يبدو أن السفن الأجنبية تصطاد الأخطبوط، عمدا أو باعتباره صيدا عرضيا، ولا تفرغ المصيد في موانئ غرب أفريقيا. بل تشحن الكميات مباشرة إلى الصين.

وناكامورا نقابي إلى حد ما، وليس ذلك فقط لأنه كان يعمل في جمعية تعاونيات مصايد التونة اليابانية. فبحسب رأيه، كانت جمعيات الصيادين الموريتانيين حاسمة في نجاح تطوير قطاع المصايد.

وأدت الطبيعة العسكرية للحكومات الموريتانية — إذ شهدت البلاد ستة انقلابات بين عامي 1978 و2008 — إلى ضعف قدرة جهاز الخدمة المدنية، وفقا لناكامورا، ولذلك كان التواصل المباشر مع الصيادين المحليين بشأن مواسم الصيد والمناطق المحظورة هو النهج الصحيح. ولهذا السبب سيعود إلى نواذيبو مرة أخرى: للتحدث مع النقابات، التي يرى أنه ينبغي أن تمتلك مصانع التصدير.

وهو مقتنع بأن المزيد من توطين القطاع هو الفرصة الوحيدة أمام موريتانيا، وأن عدد سفن الجر الأجنبية يجب أن ينخفض. وبحسب رأيه، فإن الوقت “حان للتحرك الآن” لضمان استدامة المصايد على المدى الطويل.

ويشير بابانا محمد إلى تهديد آخر. فمصدر غذائي مهم للأخطبوط في موريتانيا هو حلزون بحري، الفولوت الألغارفي (Algarve volute). وحتى وقت قريب، لم تكن لهذا الحلزون قيمة تجارية حقيقية. ثم انفتح السوق الصيني أمامه، وأصبح الآن “يُبذل جهد كبير لاستغلال هذا النوع”.

وتتمثل المشكلة الشاملة التي تواجه الأخطبوط في تزايد الطلب، وارتفاع الأسعار، ومحدودية المعروض. ومعظم مصايد الأسماك في العالم، شأنها شأن مصايد موريتانيا، تتعرض للاستغلال المفرط.

وفي نهاية المطاف، يعتمد مستقبل الأخطبوط الشائع على عدد الأشخاص الذين يأكلون وكمية ما يأكلونه من تاكو بوك (tako poke) وبولبو آ فييرا (pulpo á feira) وتاكوياكي (takoyaki) — إذ تنتصر فنون الطهي على 330 مليون سنة من الذكاء الانفرادي.


المصطفى زين

محرر صحفي في قضايا العلوم والبيئة
زر الذهاب إلى الأعلى